القرطبي
192
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والأسنان والطعمان . ثم قيل : في قلة الأكل منافع كثيرة ، منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا . وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة ( 1 ) ، ويتولد منه الأمراض المختلفة ، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل . وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير الغذاء . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال : ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) . خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب . قال علماؤنا : لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة . ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين : ليس في كتابكم من علم الطب شئ ، والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان . فقال له علي : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا . فقال له : ما هي ؟ قال قوله عز وجل : " وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا " . فقال النصراني : ولا يؤثر عن رسولكم شئ من الطب . فقال علي : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة ( 2 ) . قال : ما هي ؟ قال : ( المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته ) . فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا . قلت : ويقال إن معالجة المريض نصفان : نصف دواء ونصف حمية : فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح . وإلا فالحمية به أولى ، إذ ينفع دواء مع ترك الحمية . ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء . ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أصل كل دواء الحمية ) . والمعني بها - والله أعلم - أنها تغني عن كل دواء ، ولذلك يقال : إن الهند جل معالجتهم الجمية ، يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح . الخامسة - روى مسلم عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد ) . وهذا منه صلى الله
--> ( 1 ) في ع : نتن للمنحة . قال الجوهري : الإنفحة هي الكرش . ( 2 ) في ع : المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء . هكذا في الرواية المشهورة وليس بحديث بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب راجع كشف الخلفاء ج 2 ص 214 . ففيه قيم في هذا الحديث .